الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
399
مناهل العرفان في علوم القرآن
ومما يلفت النظر أن يد التجويد والصّقل والتحسين أخذت تتناول المصاحف على ألوان شتى وضروب متنوعة ، فهناك تحسينات مادية أو شكلية ترجع إلى النسخ والطبع والحجم والورق والتجليد والتذهيب ونحو ذلك . وهذه لا نعنينا كثيرا ، لأن أمرها هيّن ، وإن كان فيها بعض التيسير أو التشويق إلى القرآن الكريم . وهناك تحسينات معنوية أو جوهرية ترجع إلى تقريب نطق الحروف وتمييز الكلمات وتحقيق الفروق بين المتشابهات عن طريق الإعجام والشكل ونحوهما . وفي هذه نسوق الحديث . الإعجام إعجام الكتاب : نقطه . قال في القاموس : « أعجم فلان الكلام . ذهب به إلى العجمة ، والكتاب . نقطه كعجمه وعجّمه ( أي بتخفيف العين وتضعيفها ) » . والمعروف أن المصحف العثماني لم يكن منقوطا ، وذلك للمعنى الذي أسلفناه ، وهو بقاء الكلمة محتملة لأن تقرأ بكل ما يمكن من وجوه القراءات فيها . بيد أن المؤرخين يختلفون ، فمنهم من يرى أن الإعجام كان معروفا قبل الإسلام ولكن تركوه عمدا في المصاحف للمعنى السابق . ومنهم من يرى أن النقط لم يعرف إلا من بعد على يد أبى الأسود الدّؤلىّ . وسواء أكان هذا أم ذاك فإن إعجام المصاحف لم يحدث على المشهور إلا في عهد عبد الملك بن مروان إذ رأى أن رقعة الإسلام قد اتسعت ، واختلط العرب بالعجم ، وكادت العجمة تمسّ سلامة اللغة ، وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف يلحّ بالناس ، حتى ليشق على السواد منهم أن يهتدوا إلى التمييز بين حروف المصحف وكلماته وهي غير معجمة . هنا لك رأى بثاقب نظره أن يتقدم للإنقاذ ، فأمر الحجاج أن يعنى بهذا الأمر الجلل ، وندت الحجاج - طاعة لأمير المؤمنين - رجلين جليلين يعالجان هذا المشكل ، هما نصر بن عاصم الليثي ، ويحيى بن يعمر العدواني . وكلاهما كفء قدير على ما ندب له ،